من الخطإ يتعلم الإنسان و الإعتراف بالخطإ فضيلة له معنا واستغلالا علميا
تقديم
من جملة الملاحظات التي يمكن للمرء أن يجمعها وهو يتجول في أرض المغرب هو أنه هناك تقدم ملحوظ في ميادين دون أخرى لكنه بطريقة غير متوازنة. وهذا الموضوع أثار انتباهي وأردت أن اسلط عليه بعض الضوء باختيار أمثلة من الواقع الملموس.
لقد عرف المغرب في السنوات الأخيرة زيادة كبيرة في ميدان العمران, حيث أن الزحف الإسمنتي وصل الى معدل لم يعرفه من قبل وهذا شيء طبيعي في الوقت الراهن الذي يعرف فيه هذا البلد إستقرارا سياسيا, الشرط الأساسي لاستقطاب الإستثمارات الداخلية والخارجية. ولكن جودة الإنتاج نحيلة جدا والدليل على ذلك الحوادث التي تسجل بإستمرار وللأسف الأسباب دائما نفسها
وأما جانب التمدرس فقد عرف كذلك قفزة نوعية إلى الأمام إضافة إلى برنامج محاربة الإمية الذي يستفيد منه الذين حرموا من التعلم لأسباب تختلف من فرد لأخر.
كل هذا التقدم النسبي إيجاببي ويعد بصفة عامة ربحا مكتسبا للدولة ماديا ومعنويا.
فبعد تغيير المناهج الدراسية وطرق التلقين وإعطاء الأهمية للتعليم الحر – الذي تستفيد منه طبقة معينة فقط- تناقصت نسبة الأمية نسبيا بالمقارنة مع الأزمنة الماضية. وهذا التغيير لم يأت صدفة فقط وإنما بعد دراسة تحليلية لنتائج الماضي وتحديد العيوب ونقط الضعف في الجهاز بكامله. ومن نتائج الدراسة تم استنباط التعليمات الجديدة للعمل بها لتحقيق النتائج الأفضل.
الأمثلة كثيرة حيث سنتطرق أليها في بقية الموضوع, واما المثالين السابقين فأخدتهما كمدخل للوضوع الرئيسي الذي أريد الخوض فيه.
لا أحد ينكر التقدم الذي تحقق لكنه في رأيي ورأي عدد كبير من الناس, فإنه يتم إغفال شيئ مهم أثناء الحديث حول هذا الموضوع الا وهو الجودة والأداء. فمقياس الأشياء ليس الكم فقط وإنما الجودة والأداء أيضا. فبماذا ينفعك إذن حذاء لم تراعى فيه معايير ومقاييس الجودة, جميل وهو مضر ومؤلم لرجليك؟
تعريف الجودة والأداء لغة
فلغةً "الجودة" اسم يقصد به الشيء الجيد المتقون بدقة وحكمة المعرفة والعلم. وأما "الأداء" فمصدره أدّى يؤدّي وفي رأيي مفردة مرتبطة كل الإرتباط بالجودة ولا يمكن فصلها عنها. فإن توفرت الجودة تم الأداء بالمعايير المعتمدة في ذلك.
وللتوضيح نأخد هنا المثال المذكور أعلاه -البناء-, فكم مرة تمت سقوط بناية وهي تشرف على الإكتمال لسبب النقص في جودة العمل. وكم طريقا وشارعا ترى وهي تتلاشى لنفس السبب بعد صرف أموال طائلة لإنجازها وكم , وكم ..... وأريد أن أشير إلى شيء لاحضته بأم عيني حينما زرت إحدى المدن بعد خمس سنوات. فوجدت أن إحدى أهم أمكنتها قد أحدث بناءها وهندستها. فأسرني ذلك. لكنني فوجئت بعدة عيوب فنية لما إقتربت منه. فالعمل لم يتم بإتقان وأخص هنا بالذكر الأشياء الدقية, والأجدر أن تعطى هذه المرتبة الأولى أثناء المراقبة واستلام المشروع عند الإكتمال. لأنها في الحقيقة ثغرات كبيرة وإن كانت تبدو صغيرة. فهي أبواب وثغرات للعوامل الطبيعية لتأكل منها وتعيدها الى أصلها.
تعريف الجودة والأداء عمليا وتقنيا
من الناحية التقنية تعتبر الجودة حلقة عميلة مغلقة تتحكم بنفسها في تحقيق التوازن اثناء أداء المهمة المتوخاة منها. الشكل الهندسي التالي يبين المراحل المكونة للحلقة.

في التبيانة أعلاه نلاحظ أن الجهاز المكلف بالأداء يعمل وفق التعليمات المعطاة اليه وبعد ذلك يقوم جهاز المراقبة بجمع المعلومات حول الأداء وتحليلها ثم مقارنة المعطيات الحالية بالتعليمات التي تم إعطاءها من قبل. وفي حالة وجود إختلاف أو إكتشاف خلل ما يتم صياغة التعليمات من جديد وإعطائها للجهاز المختص باللأداء للعمل بها وهكذا حتى يتحقق التوازن في الحلقة.
تطبيقات
طيف التطبيق واسع ومتشعب. فالتطبيقات تشمل الميادين التالية:
-
الإجتماعية إنطلاقا من الأسرة الصغيرة ألى الشركات والمؤسسات الخاصة والعمومية وهياكل الدولة.
-
و هذا المبدأ كذلك معتمد في شبكات إتصالات الهاتف والأنترنت ووسائل النقل واللوجيستيك
-
والصناعة التكنلوجية المتطورة, حيث أن الآلات ذات الذكاء الأصطناعي تستغل المبدأ السالف الذكر في القيام بمهامها. وهذا الذكاء الصناعي ليس إلا حلقة تتحكم في نفسها لأداء مهمة ما بدقة منشودة.
وباالمناسبة أذكر مشكل السير والإكتضاض في الطرق وأمام شببابيك البنوك أو مكتب من مكاتب الإدارة العمومية أو مكتب أداء فاتورة الكهرباء او الهاتف. فيلاحظ المرء هناك تكرار نفس الضاهرة دون إتخاد أي إجراء يخفف من معانات المتضررين من ذلك.و هذا راجع إلى إهمال مبدإ " مراقبة الجودة واللأداء" الذي نحن بصدد التحدث فيه.
كيف يتم اتخاذ التعليمات لتحسين الجودة؟
في كلا الحالتين الميدان الإجتماعي والتكنلوجي يتم الإلتجاء الى طرق علمية تم تطويرها عبر الوقت لحل مثل هذه المشاكل. وهذه الطرق تعتمد على الرياضيات وبالأخص علم الإحتمال وما يسمى بنظرية الإنتظار والتصفف وهي نظرية تعتمد كما سلف على حساب الإحتمال لأيجاد الحل المناسب للمشكل المطروح.
فإن أخدنا بعين الإعتبار مشكل الإكتضاض السالف الذكر, فيتم إنجاز إحصاء دقيق للوافدين على المصلحة المراد تحسين جودتها او عدد السيارات التي تصل وتمر عند ملتقى الطرق الذي يعرف الإكتضاض. فمن هذه المعلومات تستنتج دالة زمنية تصف الواقع متغيراتها الوقت و عدد الناس في الحالة الأولى وعدد السيارات في الحالة الثانية

حاولت في المثال أعلاه الإقتراب من الحقيقة ففي الليل تقل حركة المرور وعند الصباح تبدأ في التزايد حيث أن الناس تلتحق بعملها والأطفال بمدارسها بوسائل النقل العامة أو الخاصة. وتبلغ الحركة ذروتها قبيل 08.00 وكذلك مساء ما بين 18:00 و 19:00 وقت الإنتهاء من العمل والمدرسة .
الغرض هنا بهذه الدالة الزمنية هو تحديد القيم القصوى وزمنها وشكل الدالة التي تساعد في تحديد أبعاد النضام وتحسين أدائه. الملاحظ أن للمكان المأخوذ للدراسة نفس المميزات في الشطر الأول والثاني من الدالة, نظرا لتشابههما في الشكل, ولهذا يمكن الإكتفاء بالشطر الاول أثناء معالجة المشكل.
وبناء على مثل هذه المعلومات يتم تحديد برمجة تشغيل أجهزة أضواء المرور المتطورة بالمدن للتخفيف من حدة الإكتضاض. أذ يتم إنجاز الإحصاء لكل إتجاه على حدة لأن عدد السيارات يختلف من اتجاه لآخر. فباتجاه المنطقة الصناعية مثلا تتجه معظم السيارات في الصباح. ومنه تاتي في المساء.
كما أنه يستعمل نفس المبدإ في شبكات الإتصالات بعد جمع المعلومات عن طريق القياسات الدقيقة المتطورة لصبيب المعلومات بنقط الإتصالات وتحليلها.
وأشير هنا الى أن الشبكات المتطورة تتوفر على نضام مركزي للتحكم في أجهزة الإتصالات لتغيير التعليمات بطريقة ديناملكية سريعة. ففي حالة حدوث عطب ما يتوصل المركزي بإشارة بحدوث ذلك فيقوم بحساب وإيجاد حل ناجع بمساعدة برامج يتم تلقينها إياه وبعده يعطي التعليمات المحسوبة لتلك الأجهزة للعمل بها. وكل هذا يحدث في أقل من ثانية.
ونموذج السير هذا ينطبق على الحالات الأخرى فذوو الخبرة والمعرفة يعرفون مدى قيمة النمذجة وترجمة المشاكل المطرووحة ألى نماذج يمكن تطبيق القوانين العلمية عليها.
فبالنماذج المشابهة للنموذج المبين في الرسم أسفله يتم ترجمة المشكل المطروح الى مشكل رياضي يسهل دراسته وتحديد مميزاته وأبعاده ومتغيراته.
فلنعد لشرح النموذج, فالوصول يخضع لقوانين الإحتمال كما أشرت سالفا. فيتم عن طريق الإحصاء جمع المعلومات التي تساعد في تحديد نوع وشكل الدالة الواصفة له أي للوصول. وبناء على ذلك تحدد الأبعاد الأخرى.
إن لهذه الأبعاد قيمة كبرى من الناحية الإجتماعية لتفادي الفوضى واستتباب الهدوء في المحلات التجارية والإدارات والمكاتب والطرق ألخ. ومن الناحية الإقتصادية لتحقيق أكبر الأرباح الممكنة بأقل التكاليف, الشيء الأساسي لمواكبة العصر والعولمة والتمكن من مقاومة المنافسة.

إذن قياسا على مثل هذا النموذج يستطيع المرء تحديد عدد المعالجين أوالموضفين او المستخدمين اللازمين أو الأجهزة اللأزمة في كل وقت لتلبية الطلبات المتمثلة هنا في الوصول.
فمثلا في اللوجيستيك تمثل غرفة الإنتظار المخزن او المخازن والمعالج يعني الناقلات والمستخدمين.
سوف لن أتعمق هنا في نظرية الإنتظار والتصفص وسأكتفي بهذا القدر من الأمثلة والنماذج.
عواقب الإهمال
أن العمل العقلاني الحكيم والأداء السليم الذي تراعى فيه قيم وتعليمات الجودة يكون عملا متقونا وخاليا من العيوب والأخطاء.
وخلاء وسلامة العمل هنا مقياس نسبي مرجعه التعليمات المستخدمة أثناء الإنتاج او الأداء. فكما سبق الذكر, فأثناء فحص النتائج يمكن إكتشاف نقص أو شيء جديد ما يمكن تحسينه أو فعله بطريقة أخرى أفضل. وفي هذه الحالة تضاف الإستنباطات كتعليمات جديدة أو محسنة للتعليمات القائمة المستخدمة.
إن جمع المعلومات عن الجودة والأداء وتحليلها الذي يطلق عليه في البلدان العربية بالمراقبة شيء لا يمكن الإستغناء عنه والتفريط فيه, حتى وإن تحقق التوازن. لأن إختلاله يمكن أن يحصل في أي وقت.
ويعد جهاز المراقبة هذا من أجهزة الإنذار المبكرة للتقليل من حجم الخسارة التي تزداد لو تعذر التنبأ بحدوث الإختلال في الوقت المناسب
وإهمال التعليمات يؤدي بطريقة مباشرة الى رداءة في جودة العمل او المنتوج وبالتالي إلى الفوضى في المجتمع والخسارة المادية في الإقتصاد وإلى الإستغلال الناقص لقدرات الأجهزة المتوفرة التي تكون أثمانها في أغلب اللأحيان باهضة في الميدان الصناعي والتكنلوجي واللوجيستي ألخ..
الإستغلال السيء الغير العقلاني للأجهزة المتوفرة في المصانع أو اللوجيستيك مثلا يؤدي الى إنتاج غير قادر على المنافسة لإرتفاع ثمن التكلفة, وبالتالي الى الخسارة والإندثار من السوق وترك المجال لللإحتكار والتسلط.
من هنا نستنتج ان العمل العقلاني الحكيم ذو المرجع العلمي شرط أساسي للحفاظ على البقاء, فالبقاء للأقوى.