مهلاُ إنها لغتـــــــي
إن حديثنا عن هذا الموضوع حديث ذو شجون ذلك أن الرؤى تتعدد والمقاربات تختلف من باحث لساني لآخر كل حسب عدته النظرية وخلفياته الاديولوجية وتوجهاته السياسية.
من الأكيد أن هذه التيمة من بين التيمات الطافية على سطح النقاشات العلمية اليوم قيل فيها الكلام الغزير و سيلت فيها مداد لأقلام باحثين مرموقين مشهود لهم بالكفاءة و الأهلية العلمية في اللسانيات و السوسيولسانيات فالعلاقة الكائنة و الموجودة بين الامازيغية و العربية طُِرحت على أكثر من صعيد و هنا يعِنُّ لنا أن نذيل هذه السطور ببعض التساؤلات المشروعة ؛ما العلاقة إذن بين هذين الكيانين اللغويين ؟ وإذا كانت العلاقة علاقة تعايش تاريخي وتكامل بين هتين اللغتين فما بال بعض المناضلين الراديكاليين الأمازيغيين لا يفتئون يخرجون علينا بمواقفَ متشنجة خشبية حيال العربية وأنها على حد زعمهم لاتعدو أن تكون سوى لغة عقيمة يتحتم علينا طردها وأصحابها إلى الجزيرة العربية موطنهم الأصلي عبر (الطائرة) حتى وإن كانت لغة القرآن فإنها لا تلزمنا بشئ وأنها لغة ليست لغة العلم وأن العرب لم ينتجوا لنا بها شيئا يذكر غير علك البلاغة والخطب الوعظية وهذا كما يبدوا فيه من الخلط الشئ الكثير ومن أراد أن يطلع على المزيد من هذه المواقف فليتصفح "معارك فكرية حول الأمازيغية جمعتها مكتبة طارق بن زياد".وإذا كان الأمر كذالك بالنسبة لهؤلاء فما بال أولائك القوميين أذيال الحزب البعثي السوري والعراقي لا يفتئون يخرجون علينا بين الفينة والأخرى بدورهم بمواقف وأفكاريات تستحق الرد الخشبي. فما الرد الذي ينتظره هاؤلاء الذين لا أكاد أسميهم حينما يتفيهقون ويقولون من دون استحياء وبدن أدنى علم بمبادئ ونظريات علم اللسانيات الحديثة أن الأمازيغية لهجة وليست لغة بل قد تجعل بعض هاؤلاء يتطرف ويزعم أن الأمازيغية ليست بلغة ولا لهجة كما فعل اليزيد البركة هذا القزم السياسي في مقال له سنة 1999 (كان عضو في حزب العهد إذاك ) ونسي هذا الجهول أو تناسى بالأحرى أن مصطلح "لهجة" مصطلحاً فيه من الانطباعية والذاتية والإيديولوجية أكثر مما فيه العلمية والموضوعية فضلا عن كون معظم البنيويين والسوسيولسانيين يرفضون هذا المصطلح لهذا الاعتبار. فاللهجة لو أردنا أن نؤصل لها من داخل الفكر اللساني كما يؤكد اللساني الشهير Calvet"" هي لغة لكنها حطمت سياسياً واللغة ما هي إلا لهجة لقيت دعماً سياسيا وهذه الحقيقة اللسانية التي لا غبار عليها كما يبدو هي نفس ما وقع للأمازيغية تماما وحتى لا ننساق وراء هذه الأفكاريات وهذا الكلام حول الأمازيغية أهي لهجة أم لغة الذي تُجاوزَ في الحقيقة نعود إلى صلب الموضوع الذي وددنا أن ندندن حوله ولو بشيء من السطحية على اعتبار أننا لسنا جهابذة وضلعاء في علم اللسانيات هذا العلم الحيوي الموضوعي وما أنجزته المدارس اللسانية الحديثة (البنيوية التوليدية التوزيعية...) على يد لسانيين هم أَشهرُ من أن يُشْهَرَ بهم في هذه السطور الذين كرسوا حياتهم لخدمة الدرس اللساني الحديث وما التأصيلات والنظريات والخطوات الجبارة التي تخطاها الدرس اللساني في العقود الأخيرة لأدل دليل على ذلك.
الواقع التاريخي في المغرب على سبيل المثال لا الحصر؛ يشهد أن هذا المجال الجغرافي المتميز عرف احتكاكا حضارياً فريدا إلا أن هذا الاحتكاك الحضاري له ما له وعليه ماعليه كما يقول المناطقة اتسم في الغالب الأعم بالصراع والاصطدام وكان من ابرز هاته الحضارات الحضارة العربية الإسلامية التي وفدت على شمال إفريقيا وقع ما وقع من أخطاء وهفوات وتجاوزات من لدن بعض القواد والفاتحين وكانت ثمة مخالفات صريحة لأخلاقيات وأدبيات الفتح الإسلامي التي نصت عليها شريعة رب الأرباب. على كل نحن لسنا هنا بصدد نقاش هذه الوقائع والمطبات التاريخية التي نتركها لذوي الاختصاص بقدر ما أريد أن أقول وأؤكد أن تواجد العربية بجانب الأمازيغية تواجد قديم يمتد لقرون خلت وهته الازدواجية لم تكن أبدا بشائبة و لا نقيصة فالتعدد تُمليه السجية البشرية كما هو مقرر عند العقلاء من البشر وحدث نوع من "التثاقف" وأن مايسجله الباحثون و الدارسون في الآثار أن "المسألة اللغوية" في المغرب لم تكن أبدا عاملا من عوامل التفرقة و التشرذم و الانقسام بل كانت دائما هذه الأخيرة عاملا من عوامل الإثراء و الإغناء و هذه الحقيقة يؤكدها عبد الله الحرش في مقال له في جريدة الإتحاد الاشتراكي إصدار1994، و يؤكد عبد الله العلايلي بدوره أن تواجد العربية إلى جانب الأمازيغية لم تكن على الإطلاق مصدرا من مصادر التفكك و الاصطدام المجتمعي الذي كان يبرز على الساحة بين الفينة و الأخرى. فالعلاقة إذن بين هذين الكيانين اللغويين علاقة تعايش لا علاقة تصادم وتصارع وهذا موقفي بخصوص هذه المسألة لست أُلْزِم بها أحدا بطبيعة الحال فكوني أمازيغي أتكلم الامازيغة لغتي الأم فطرة وسليقة وأعشقها عشقاً لا أرى مانعا البتَّةَ في الغوص واتقان اللغة العربية كونها لغة دينـــــــي ودليلي في ذلك قيدوم الأمازيغيين محمد شفيق الذي كرَّس حياته للدفاع عن الامازيغية وبشهادة الشهود يعتبر كذلك من الثلَّة القليلة المتمكنين من اللغة العربية وبأسرارها. ولذلك قد تجد بعض المناضلين المحسوبين على الصف الحركي الذي يناضل على الأمازيغية يشجب ولربما قد يتبرأ من هته اللغة لا لشئ اقترفتها هذه اللغة إلا لكونها لغة العرب فهذه الأخيرة نؤكد ولا نمل ونكل من أن نكرر أن اللغة العرية كائن بريء كباقي اللغات لا ناقة لها ولاجمل ولم تشارك لا من قريب ولا من بعيد في مأساة الشعب الأمازيغي، ما الذنب ذنبها بل السياسة المعوجة الممنهجة من قبل مسؤولينا وأصحاب القرار هي السبب في هذه الكوارث التي ما فتِئنا نتجرَّع ويلاتها.
دردشة حول الأمازيغية ومدى مشروعيتها في الأدبيات والخطابات السياسية:
إلا أن تسييس القضية الأمازيغية في العهود الأخيرة و تنامي بعض الحركات و الجمعيات الأمازيغية الراديكالية والممخزنة و التي تجعل من صلب اهتماماتها إعادة الاعتبار للقضية الأمازيغية في مختلف أبعادها اللغوية و الهوياتية و الحضارية و رفع العسف و الضيم عن هته الثقافة الرائعة على حد تعبير السوسيولوجي "بول باسكون" ناهيك عن مطلب دسترة الأمازيغية و الاعتراف بها رسميا إلى جانب العربية .
ونرى هنا أنه من الجدير و الحري بنا أن نذكر السادة الأكارم أن بعض الساسة المتشبعين إلى حد ما بالفكر القومي العروبي هذا الفكر الذي يقوم من بين ما يقوم عليه على الاستعلاء الثقافي و العرقي و أن الجنس العربي لا جنس مثله و لا أحد فوقه من أجناس العالمين وأن الإنسان العربي هو الجنس الآري فهذه العنجهية كما يبدو قديمة عفنة نتنة لا يقبلها عقل رشيد ولا يستسيغها منطق وتأباها الشريعة الغراء من دون شك فهذه الخرفشة على حد تعبير بن خلدون وهذه الهرطقة لا تخدم العربية في شيء. روج لها أناس هم مسيحيون عرب بعدما هُضمت حقوقهم إبان الحكم العثماني كما هو ملوم تاريخيا. هؤلاء الساسة كما قلت لا يفتئون يؤكدون سرا وجهرا أن اعتراف المغرب دستوريا بهذه (اللهجة) التي لا تعدو أن تكون مجرد همهمات بربرية تجلب الغثيان لغير الناطقين بها سيجلب للأمة المغربية ويلات وجروح وقلاقل قد يصعب علاجها وقد يفتح عليها باب الشر نحن أصلا في غنى عن ذلك كله. هذا هو تصور بعض الساسة للأسف الذين تزعجهم الحقائق والقضايا المُربكة ولا يبقى همهم سوى الكراشي والكراسي وإثبات المناصب، فهذا الفاسي الفهري على سبيل المثال كان بادئ أمره يدافع ويناضل عن اللهجات وأملى في ذلك من المجلدات الضخمة التي لم يكن يقوى على اقتنائها ذوي الدخل المتواضع (معلومة أمدنا بها الأستاذ امحند الركيك وهو أستاذ جامعي في مدينة تازة) ويوم نال منصبا في مؤسسات الدولة راح يهاجم اللهجات داعيا إلى إقبارها وأنه لا جدوى من تعليمها وتعلمها فنسف بذلك كل أفكارياته و أطارحته وناقض مبادئه وفلسفته التي كان يؤمن بها لأسباب تبدو مجهولة. وهاكم الآن الفيلسوف المعاصر محمد عابد الجابري صاحب الرؤى الثاقبة والتصورات الجهنمية الفيلسوف كما هو في العرف يشك في أمتن البديهيات وأصلب الحقائق لم يجد الجابري ما يعاديه سوى الأمازيغية فقد دعا هذا المخرف الذي يدعي لنفسه العلمية وأنه باحث أكاديمي وأنه وأنه... في غير ما موقف له إلى إماتة الأمازيغية واستئصالها ناهيك عن بعض المفكرين ذوي التوجه الإسلاموي الذين يعتبرون الأمازيغية لا تعدو من أن تكون سوى مجرد بدعة ووثنية جيء بها لتنافس اللغة الشريفة كما يسميها ابن جني ولهدم صرح الإسلام بدعم استراتيجي ولوجيستيكي وبإيعاز من الخارج ولزرع معاول الهدم في هذا الجسد الإسلامي المنهوك أصلا هذا على حد زعمهم. فليعلم هؤلاء الذين يتوجسون من الأمازيغية انه لو رجعنا إلى الآثار لألفينا بعض الروايات التي تؤكد أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله للإنسانية اجمع ولم يبعثه الله للعرب فحسب ( هنا أود أن أمر مرور الكرام على موقف طريف للقدافي الذي رفع عنه القلم (كما وصفه كشك رحمه الله) أن النبي محمد مادام هو من العرب فلن يشفع يوم القيامة لأحد إن لم يكن عربي) قد تكلم بنسق لغوي أمازيغي مع "ركراكة" حينما ذهبوا ليسألوا عن هذا الدين الجديد الذي بزغ فجره في الجزيرة العربية فالإنسان الامازيغي كان ذو نزعة تدينية كما تشهد بذلك الآثار التاريخية ولما انفضوا من حوالي النبي الأكرم و عادوا أدراجهم ذُهل الصحابة الكرام فلما استفسروا عن الأمر أجابهم سيدنا محمد "هؤلاء هم أهل المغرب سينصرون الإسلام كلما كان الإسلام في ضيق" أو كما قال الحبيب النبي. وهذا نفس ما أشار إليه وأدرج على ذكره الجيراري على مسامع الحسن الثاني في إحدى الدروس الحسنية فما الذي يحمل هؤلاء على التوجس إن كانت للأمازيغية كل هذه العَراقَة وهذا التاريخ التليد.
وقد عجبت وأطلت العجب حينما رأيت هؤلاء على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم لا يكادون يجمعون رأيهم إلا على نصب العداء للأمازيغية ونفث السموم حولها لا لشئ كما يبدو إلا لكونها قضية عادلة ومشروعة وقضية شعب شُلَّت ذاكرته وتُمُحْوِر مخياله الجمعي.
الامازيغية التي تعتبر لغة طبيعية كباقي اللغات لها نظامها النحوي والفونولوجي والمورفولوجي والتركيبي الخاص بها بل إنها اللغة التي ظلت تحتفظ ببعض الخصائص والمواصفات اللسانية التي انقرضت في معظم اللغات فهذه اللغة التي نحن بصددها ظلت تحتفظ بالجذر الثنائي إلى جانب الصينية "الجذر الأحادي" الذي انتفى من باقي اللغات، وكمتكلم فطري لهته اللغة أستطيع أن أستحضر: كر، فغ، طس، تش....الخ. ناهك عن خاصية توالي ثلاث صوامت /سواكن "les consonnes" أو أكثر الشئ الذي قد يتعذر تحققه في اللغة العربية مثلا وهذا ما يؤكده "ابن فارس" في ديباجة كتابه " الصاحب في فقه اللغة "حيث يقول "العربية لا تقبل الجمع بين ساكنين". بل إن الامازيغية ظلت تحتفظ لنفسها رغم عوادي الزمن وتكالب اللئام بشرط يكاد يحسم اللسانيون في كونه الشرط الأهم الذي ينبغي توفره في أي نسق نسق لغوي وهو شرط "الحيوية" فالمقصود بهذا الشرط هو كون أن أي نظام لغوي ينبغي أن يكون ذا تداولية وانو جاد في الحياة اليومية وفي الواقع المعاش فالأمازيغية لو فحصنا الواقع واستنطقناه لوجدنا أن % 75 من المغاربة تقريبا يتواصلون بهته اللغة كما أكدت ذلك الإحصائيات أما العربية فقد أصبحت متداولة بين النخبة العالمة المثقفة "نخبة النخبة"وهذا ليس استهجانا منا للغة الضاد وإنما الواقع هو الذي يشهد بهذا. خاصية أخرى لا تقل أهمية عن الأولى وهي خاصية "التاريخانية" فما من أحد ينازع في كون أن الأمازيغية لها من العَرَاقَة ماليس عند غيرها اليوم فقد عاصرت الأمازيغية لغات هي محسوبة من اللغات المنقرضة الآن كالهيروغليفية/الفرعونية، الفينيقية الآشورية الأكادية والسومرية والبونية... رغم أنها لم تتلقى تعزيزاً ودعماً دينياً كالعبرية والعربية مثلا كما يقول بذلك الأستاذ قيدوم الأمازيغيين "محمد شفيق" في كتابه "لمحة عن ثلاثة وثلاثون قرنا من تاريخ الأمازيغ" فهي لغة موغلة وضاربة جذورها في أعماق التاريخ حتى وإن حاول المضللون والمبطلون إبطال ذلك. وتشير بعض اللقى الأثرية لعلماء أنتروبولوجين وخبراء علم الآثار أن تيفناغ هذا المصطلح المركب تركيبا مزجيا "تيفي -نغ" وتعني اكتشافنا أو اختراعنا يرجع إخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي "أرسطو" إلى 2300 قبل الميلاد فضلا عن خاصية الاستقلالية. إلا أنها تفتقد لخاصية أبرز وهي خاصية "التعيير" ويقصد بها الدعم السياسي للجانب اللغوي في هذه الدولة أو تلك وهذا ماينقص هذه اللغة بالذات فكم من لغة كانت بالأمس القريب مهمشة متخلفة لا شأو لها ولا اعتبار أصبحت يوم استولى أصحابها على زمام المبادرة ولسيم السياسية منها قوية الجانب والشوكة كاللغة الفرنسية الباريزية على سبيل المثال فهذه الأخيرة كانت مقصية تتكلمها أقلية وهم أشراف باريس ويوم استولى هؤلاء على الحياة السياسية وتصدروا الحكم , انظروا وتأملوا معي إلى ماوصلت إليه الفرنسية. نفس الشئ يقال وينسحب على الإسبانية الحالية وكذا العربية فهذه الأخيرة لم تكن تُتَداولُ إلا بين القريشيين المستقرين في بطون مكة بينما القبائل العربية الأخرى كانت لها أنساقها وأنظمتها اللغوية الخاصة بها ولكلٍ منها مذهبها في الكلام كما هو معلوم فعربية العرب الجنوبيين لم تكن هي نفس عربية أهل الشمال في الجزيرة العربية وهذه حقائق أثبتتها الأبحاث الحديثة (من أراد المزيد من التوسع في هذا الجانب فليتصفح في الشعر الجاهلي للأديب طه حسين الطبعة الرابعة فصل الشعر الجاهلي واللغة وفصل الشعر الجاهلي واللهجات). وكل يعرف ما لمكة يومَ ذاكَ من الأهمية الاقتصادية والسياسية فالبرلمان المكي"دار الندوة" كانت تقرر في شتى الأمور ولذلك كان لزاما على هته القبائل العربية على تعددها أن تتعلم هذه اللغة لأغراض سياسية واقتصادية. كما أوضحنا آنفاً ولما جاء الإسلام وحد هذه الأنساق والمذاهب الكلامية في بوتقة واحدة فتحققت بذلك الريادة والسيادة فتجاوزت اللغة التي كانت متداولة في الأصل بين أهل مكة الحجاز كله وأخذت تزهو وتزدهر واستطاعت أن تأخذ وتبوئ لنفسها مكانا في مختلف الأمصار وذلك يوم تحقق لها هذا الشرط ( الدعم السياسي إلى جانب السلطان الديني.) وهذا مالم تحظ به الامازيغية تاريخياً. وما يثير الدهشة والاستغراب هو أن بعض الساسة يتوجسون ويؤكدون أن الاعتراف دستورياً بهته اللغة في المغرب أمر وخيار ليس برشيد . إن هته الشطحات وهذه المراوغات والهواجس التي لا تعدو أن تكون في نظرنا سوى مجرد خرافة وأسطورة بحتة تعشش في أذهان كثرة كثيرة من هؤلاء القويين والارستقراطيين الجدد زاعمين متوهمين أن وحدة الأمة فوق كل اعتبار. ولنمحِّص هذا الكلام بشئ من الروية والأناة ولننبُش في ثناياه ولو للحظات، كلام كما يبدو سفساف ومبرراتهم واهية ومردودة عليهم بشهادة الواقع وبدليل دول العالم من حولنا التي أخذت بهته التجربة (إقرار أكثر من لغة في دستورها)، فسويسرا مثلا هذا البلد المحسوب على دُول الشمال ذو الكثافة السكانية والمجال الترابي المتوسط تقر في دستورها أربع لغات وهي لا تشكو أي قلاقل واصطدامات داخلية بسبب هذا التعدد اللغوي، كذلك الشأن بالنسبة لكندا، الهند والجزائر وقِس على ذلك. وهنا لا أملك إلا أن أذكر هؤلاء بالحكمة العربية القديمة القائلة "حبل الكذب قصيــــــــــــر" فقد تستطيع أن تكذب وتوهم الناس مرة ومرات لكن لن تستطيع حتماً أن تجعل الناس يصدقونك دائماً وبالقولة التي ظلت شامخة على جدران التاريخ لسيدنا علي كرّم الله وجهه "يوم المظلوم على الظالم أشد وطأة من يوم الظالم على المظلوم" فلا بد من يومٍ تنجلي فيه الحقيقة وتنكشف فيه الخبايا والخفايا. فالذي قد يؤجج الصراع المجتمعي هذا الشبح الذي يتوجسون منه سياسة التعنت والتماطل والإقصاء. هذه السياسة التي ذقنا سما وعلقما جراء نهجها من لدُن الأجهزة الحاكمة بمؤسساتها المختلفة. صحيح أن الدولة المغربية قد أسندت مهمة النهوض بالأمازيغية وإعادة الاعتبار لها سياسيا للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية إلا أن هذا الأخير ظل يشكو الدعم المؤسساتي منذ نشأته مما يُتَرجِمَ حقا غياب إرادة سياسية حقيقية للنهوض بهذه القضية.
ولنطف سوياً على جناح السرعة ولجولات سريعة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين لننظُر كيف أصّلت وتعاملت هذه اللجنة الملكية التي أسندت إليها مهمة صياغة الميثاق مع الامازيغية. يؤكد مصطفى محسن (بصرف النظر عن توجهاته الإيديولوجية) وهو باحث سوسيولوجي أن الميثاق غير واضح تماماً في ما يتعلق بالمسألة اللغوية لسيم مع الامازيغية. فالملاحظ أن الميثاق تلاعب بالمصطلحات الفخفاخة والفضفاضة كما هو معهود من التشريعات والقوانين المغربية فما المقصود "بالحيز المناسب" الذي نص عليه الميثاق؟؟؟ زيادة على ذلك كون أن الميثاق جعل من الأمازيغية وسيلة استئناسية وتمهيدية لتعلم اللغة العربية ليس إلا وهذا فيه من الحيف والميز اللغوي ما لا يكاد يخفى على أحد. في المقابل نص على إتقان اللغة العربية والتمكن من ناصية اللغات الأجنبية. والأدهى من ذلك أن الميثاق فوض مسألة تدريس الأمازيغية للأكاديميات الشئ الذي نتج وافرز عنه أن 9 أكاديميات هي التي أخذت مشروع تدريس اللغة الامازيغية من أصل 16 وما يدمي القلب أن الامازيغية حتى وان أدرجت في بعض الأسلاك التعليمية فأن التلاميذ لايُكافؤون عليها أي أنها غير مُدرجة في التقويم الدوري مما يخلق حالة الإحباط النفسي لدى المدرسين والتلاميذ على السواء. صورة أخرى من هته الصور البا هتة والمخزية التي تترجم وتعكس المنطق السياسي الممنهج ضد الأمازيغية وان إدراج الأمازيغية في المقررات التعليمية لا يعدو أن يكون سوى إدراجاً شكــــــــــــــــــــلياً وصوريا ليس إلا هي المدة الزمنية التي يتلقاها مدرِّسوا هذه اللغة في المراكز التكوينية المخصصة لذلك وهي مدة زمنية لا تكاد تتجاوز الأربعة أشهر في أحسن الأحوال. وهذه السياسة المعتمدة والتي كشفت الأيام عورتها إن صح هذا التعبير لا تعدو أن تكون سوى امتصاصاً لهذا الصوت الأمازيغي الذي أفاق بعد طول الغفوة والرقود. هذا بالإضافة إلى أن الأجهزة والمؤسسات ذات الطابع التشريعي في المغرب لم ترافق هذا الإدماج للغة الامازيغية في منظومة التعليم بتسنين قانوني لحماية وصيانة هذا المكتسب الوطني لأبناء هذا الشعب المغلوب على أمره. (فجلالة الملك بذات نفسه في خطاب رسمي له أكد أن النهوض بالأمازيغية مسؤولية وطنية). ولقطع دابر المتلاعبين المستهترين بمسؤولياتهم ومن جملة هؤلاء رجال التعليم بحيث يستغلون غياب المراقبة في هذا الجانب ويفعلون ما يشاؤون لسيم في المناطق النائية والمعزولة.
وفي الختام أود أن أحيي عالياً وأشد على أيدي كل العمارتيين المشاركين في هذا الموقع الذي نعده المنفذ الوحيد لمعرفة المستجدات في "آيث عمارث".
وأنا عبد ربه حسن الزهراوي فاتح صدري الرحب لكل النقاشات حول هذا الموضوع شريطة أن يكون هذا النقاش هادئا وهادفاً. ورجاءا رجاءا للمكرة الألف دعوا الأمور السفسافة المُبخرقة جانبا وأقسم بالله أجل الأقسام أنني أتألم حينما ألج هذا الموقع فأجد مشاركين يقيمون الدنيا ولا يقعدوها في أمور وحزازات شخصية وكلام مجان وسجالي لا يُقال سوى في المقاهي...
تحية شموخ إلى رشيد اليوسفي تحية أخوية إلى أخي سعيد الزهراوي ونورالدين الزهراوي وإلى كل عمارتي غيووووووووووووور والسلام.